على جبل موسى
تأملات شخصية من رحلة سانت كاترين
بعد كل ألف ميل، يحتاج القلب رحلة وتأمل ووقفة للتأكد، هل كان الطريق يستحق، هل المجهود في مكانه، هل كنت حقاً على الطريق الصحيح. بحثت عن رحلة كتلك التي أخذتني وأثرت بي كرحلة جنوب مصر الشلاتين وصادف بعد العام الهجري الجديد انبعاث بعض الأمل بقلبي في هذا العام الثقيل للغاية، تكثر منشورات العالم الافتراضي عن الرفقة للتذكير بمشروعي الخاص رفقة وتقترب ذكرى عاشوراء لتكثر المنشورات عن موسى، لأتذكر ان معرفتي عنه ليست قوية مثل معرفتي بمن جاء قبله يوسف عليه السلام.
أرى منشورًا طيب يحمل آيات من القرآن عن جبل موسى والتجلي
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا
سجلت فوراً ومن هنا بدأت رحلة جديدة مع سانت كاترين.
اليوم الأول: لقد كنت هنا من قبل!
كان عمري ١٤ عام عندما زرت دير سانت كاترين للمرة الأولي، بعد وفاة والدي ببضع شهور. سجلت لي صديقتي خلسة في رحلة مدرسية كي تحسن من حالتي النفسية وقتها شعرت أني في مكان أكبر من استيعابي، تجربة ثقافية مختلفة وانفتاح على ثقافات أخرى. للمرة الأولى يُسمح لي بزيارة دير.
خرجت من الدير وعدت لكفرالشيخ، لم ابكِ عندما افترقت الفتيات اللواتي تعرفت عليهن لمدة اسبوع، لم أشعر شيئًا يخص الفراق، حتى توقف الاتوبيس امام بيتي، ولم أجد أبي في انتظاري كما كان يفعل بعد كل رحلة مدرسية او درس متأخر.
وصلت ليلاً، انتظرته بعبائته وكوفيته الصوف يندس فيهم من شدة البرد كعادته، ولكنه لم يحضر، لأنه كان بالفعل ذهب. هنا فقط بكيت لانه كانت لحظة إدراكي الأولى بأنه رحل ولن يعد.
عودة حميدة
أخبرتني امرأة حكيمة أن قلبي لا يستقبل الحب لأنه ملئ بحب أبي وأنه عليَ انه اتركه يرتاح بسلام كي استقبل حب جديد وكي يرتاح هو في مثواه الأخير، ولكني لا استطيع التخلى عن ذكراه ولا أعلم كيف افرق بين ذكراه في قلبي الممتلئ به والحزن العميق الغير معالج الذي شكل حاجز عميق لا يستطيع أحد كسره.
وعدت نفسي اني سأترك ذكرى أبي في الدير عند تلك الشجرة. كانت تلك نيتي.
حضرت شنطة خفيفة للغاية، وبعض السناكس وقلت لنفسي ماذا سيحدث في يومين، المهم انه هناك مكيف هواء في غرفتي وحمام لشاور ادمي بعيداً عن تجارب كاترين المعروفة بالاحتكاك البيئي، لا اقدر مطلقاً على النوم في الهواء الطلق واعتبار الطبيعة هي بيت راحتي. اريد بعض من الخصوصية والراحة وشبكة تليفون حتى لو في الجزء الأخير من اليوم.
في الطريق قابلت مجموعتي، معظمهم اكبر سناً مني وتصغرني فتاتين في غاية الرقة، ذهبنا سوياً في رحلة بكافة مليئة بطاقة أجيال مختلفة.
بعد دخولنا بوابات سانت كاترين، سمعت صوت بجانبي ينادي منظمة الرحلة قائلة
"ارجوكي - نبهيني عندما نقترب من الوادي المقدس، ارغب وقتها في خلع حذائي كما فعل موسى عندما أمره ربه"
صوت ملئ بشغف غريب جعلني أسجل أول مهمة بعد محاولات عدة لإيجاد مختصر لقصة موسى غير قصته والخضر وقصته أمه وقصته وفرعون، اريد فقط قصته مع الجبل ولا اجد. أشعر بالـ "فومو" يملؤني ولكن اذكر نفسي اني وعدتها بالتمهل.
تشير الفتاة الرائعة للمرأة على الوادي المقدس وتخبرها ان تتمهل عن خلع حذائها حتى تصل غرفتها في فندق الدير ولكن يبدو أنها كانت ذات همة ولم تتردد ثانية ان تخلع الحذاء بمجرد نزولها من الأتوبيس حتى تستشعر عظمة المكان، ذهبت لغرفتي لانتعش قليلاً قبل زيارة الدير بعد كل هذه السنوات.
أحاول استجمع ذاكرتي القديمة عن الدير، اتذكر انه كان هناك مسجد أظن افتتحه عمرو بن العاص مع دخول مصر، اتذكره جيداً من رحلتي الأولى وكان هناك قسيساً لا يتحدث ولا يجيب اي حد، لم أعلم وقتها لجهلي انه صائم.
في طريقنا للدير، أرى المئذنة وبجانبها قبة الكنيسة.
أعيد ترتيب ذاكرتي المتربة واضع المسجد جنب الكنيسة وهو مغلق للاسف الأن. وأرى الشجرة العليقة الملتهبة في مكانها وليس تحت المسجد كما كان في ذاكرتي القديمة. أعيد ترتيب الذاكرة وانعشها بذكريات جديدة، وأشعر براحة وسكينة واحساس ان الزمن غير موجود. كأنه نفس الباب يستقبلني بعمرين ال١٤ وال ٣٣ وربما يكون نسخة أكبر منى موجودة على نفس الباب بجانبي.
اتأمل المكان جيداً، التقط بعض الصور ثم اذهب واجلس تحت الشجرة.
فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى. إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى. وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى . إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي
في الوادي المقدس طوى، أدعي لأبي كثيراً وارسل له حباً كثيراً، وادعوه ان نفترق هنا ولكني لا اعلم معنى الافتراق ما هو ، ثم أتذكر من أحببت ولم اجد منه المساحة او السعة لاقول له وداعاً، فادعوا أيضاً له ولي.
سؤال يراودني: لماذا انا هنا؟
لاتذكرهم وارسل لهم سلام وارسلهم بعيداً حتى ارتاح واستقبل حباً جديداً، أم اجدد حبهم في قلبي، لم أتذكر سوى كل شئ جميل ، وأصبحت ذكراهم هي صحبتي في الرحلة، يجوز مقاومتي لوجودهم في قلبي وعقلي سببت شئ من التضاد واصبح محاولة التخلص من أثرهم البالغ غير محتمل في الوقت الراهن. قولت لنفسي ..
مازال لدى غداً، سآتي مرة أخرى وأحاول ثانية.
اليوم الثاني: على جبل موسى
سهرت تلك الليلة استمع للقصة وعلاقة موسى وربه وعلاقته بالشجرة وطلبه الطيب من الله ان يجعل من أخاه هارون وزيراً له ليشد به عضده ويكون رفيقه في الحياة، تأثرت كثيراِ بذلك الأمر، اشعر انه طيلة حياتي ابحث عن تلك الرفقة التي تهون الحياة وقد ارسلها الله لي مراراً في هيئة بشر يكون لهم دورا في حياتي، ولكن . مازال - يلح عليا وجود شخص واحد اتخذه رفيق، ولكنه رزق وسبحان الله العلي العظيم.
انا الان اعرف القصة كاملة - تذكرتها ومستعدة أبدأ رحلة الصعود لجبل موسى.
محطة ١: جبل التجلي
في الطريق - رفقتي هي مجموعتي واتفقنا أن من يشعر بالتعب يمكنه الاستراحة والنزول أي وقت.
تقدمت المجموعة انا وبعض الفتيات مع الدليل السيناوي - مُحمد. نرى في طريق خروجنا من الدير شمالاً للصحراء وسط الجبال جبل الطور مباشرة في وجهي وعليه أثر، لونه اخضر ويبدو أصغر من باقي الجبال وذلك لأن الله عندما تجلى عليه دُك الجبل دكاً.
شعرت ببعض التعب مع درجة الحرارة الساعة ٤ عصراً وقبل أول استراحة قلبي لم يتحمل المجهود وتسارعت ضربات قلبي وخذلتني جيوبي الانفية بشدة أصبح لون وجهي لون الطماطم حتى شعر الجميع بالتوتر والقلق.
توقف هنا بعض من المجموعة وقرروا النزول ودعاني البعض أيضاً للنزول ولكن محمد شجعني ان اكمل ومع بعض التمارين استعدت بعض من طاقتي. فكرة النزول لم ترد على بالي انا هنا لأصعد لجبل موسى وسأفعل.
محطة ٢: الاستراحة الثانية
مشينا الميل الثاني، كان معي في هذا الوقت محمد وفاطمة بعد ما تراجع باقي الجروب وتقدمتنا زهار وله، السيدة اليونانية طيبة القلب التي جاءت لتصلي في الدير بعد سنوات من الحياة في مصر دون زيارته. كان محمد وفاطمة يشجعوني على المضي قدماً وقررنا ننظم انفاسنا ونمشي على نفس الخط حتى لا يقع من أحداً. قبل الاستراحة الثانية قابلتنا السيدة اليونانية قائلة "سأنزل الآن، يجب أن تعرف متى تخسر، لقد خذلني جسدي" تأثرت بشدة لها لاني اعلم انها تريد الوصول للقمة وكانت تسعى جاهدة في المقدمة للوصول دون أي توقف لكنها عرفت حدود جسدها وقررت التوقف بدون نقاش. جلسنا وجددنا النية ثم قلت لرفيقي "انا حقاً اريد ان افعلها، جسدي سيساعدني".
أتذكر كل محاولات الجيم المملة ويبدو انه تمارين اليوجا والبيلاتس البسيطة لم تفد في هذا الامر. مشينا واسترحنا ومشينا واسترحنا، في كل الطريق ساعدني فقط صورة موسى وهارون في رحلتهم، رفقتهم الطيبة التي ساعدتهم على الوصول سوياً، ثم تذكرت مثال لهم في حياتي، لشخصين ارى فيهم موسى وهارون - دعوت لهما على الجبل، ودعوت الله أن أقابل هارون الخاص بي او اكون هارون لأحدهم.
الصعود شاق ومجهد جداً وفي تلك اللحظات الصعبة كان موسى في خيالي، يذكرني كم كانت رحلته شاقة، حتى وهو قوي البدن وإيمانه عميق وقبل كل هذا نبي، لم يكن هذا سهلاً أبداً، وها أنا ذا في طريق ممهد وحذاء جاهز لهذا النوع من النشاط وماء وشنطة خفيفة اشعر بالتعب، استعنت بالله ثم أكملت.
مررنا على أكثر من استراحة وقابلنا أشخاص عشوائيون للغاية في طريقهم من الجبل بعد أن امضوا ليلة، واخذنا بعض الاحاديث العشوائية وهم يتمنون لنا التوفيق في الصعود، ثم وصلنا الى تقريباً القمة.
محطة ٣: وادي على الجبل للنبي إلياس
وادي جميل للغاية قبل القمة كان يعيش فيه النبي إلياس، في مدخل هذا الوادي، الهواء يستقبلك كانك في طريقك للجنة
وفي رحلة النزول كان نفس الهواء يودعنا كأننا للتو خرجنا من مكان مقدس شريف، شعور بانه الهواء ملء بالملائكة والطاقة الشريفة المباركة
شرف كبير لا اقدر على حتى استيعابه انه هنا في نفس المكان منذ آلاف السنين عاش نبي كريم وصعب نبي كريم ومر اناس طيبون نعلم عنهم ولا نعلم عنهم شئ، سبحان الله علام الغيوب.
المحطة الأخيرة: سبعمائة وخمسون سلمة فقط
مرحلة تبدو خطيرة تتخيل نفسك في فيلم اجنبي على الحافة يكاد الهواء يقذف بك خارج الجبل، وصوت القطط من كل جانب يبدو انهم مرتاحين مع الخطورة والجبل مستقبلين زوار جديد ربما يعطوهم قليلاً من الحب او الطعام، بعد أكثر من استراحة على السلالم نأخذ نفس أنا وفاطمة ويضحكنا محمد انه يسمع صوت دقات قلوبنا عالية للغاية وفي نفس الوقت ورائنا مباشرة سيدة جميلة من نفس المجموعة كانت قد عقدت العزم للصعود وبالفعل كانت معنا في نفس الطريق رغم انها تكبرني بسنوات كثيرة. شكلها بالحجاب وبنطلون واسع وشنطة حفيدها على ظهرها وهي تصعد وتنزل الجبل من أجمل ما رأيت مؤخراً.
يبدو انه رؤيته النساء خارج منطقة راحتهم هي اكثر شئ سعيد هذه الأيام بالنسبة لي. على القمة، وصلنا إلى كهف النبي موسى عليه شارة مكتوب عليها
أنت الآن على قمة جبل موسى
بجانب الشارة جامع وكنيسة، أخذنا نفس عميق، ارتحنا
لا اذكر ان دعيت او لا
فقط تنفست بعمق
شعرت بامتنان
قولت الحمدلله
لمست قدمي وجسمي وقلت لهم شكراً على المساعدة
وحمدت الله على القوة والرفقة وشكرت رفيقاي
ثم دخلنا المسجد لمن يصلي ركعتين لله
ثم نزلنا مرة اخرى!
وفي النزول كان الطريق ملي بالمحادثات والضحك والدموع مع لحظات كثيرة من الامتنان والمحبة.
ما بعد موسى
اشعر باني ذاهبة مرة اخرى لهذا الجبل، مازال لدى كلام كثير له ولموسى نفسه، أشعر بأن موسى هو النبي المفضل لدي بعد محمد الآن، في هذه الفترة من الحياة، لأنه لم يرضى بالظلم مطلقاً صاحب كلمة حق، حياته كانت مليئة بالصعاب وعلاقته بأمه كانت غريبة ويذكرني بمعاني جميلة، او ربما لاني اريد رفيقي ان يكون مثل موسى (قوي - أمين) هذا هو دعائي المفضل منذ سنوات اللهم أرزقني بالقوي الأمين.
أشعر براحة نفسية وقلب متوهج بالحب ومحاولات استقبال كل ما هو آت بمعنى مهم من كل القصة - الصبر، هو كل ما احتاج أن أمارسه وحكمة وإيمان الأن.
إن الله يرى ويشعر ويعلم وانه سوف يكافئنا بإذنه ويرزقنا علماً نافعاً ورفقة صالحة ورزقاً واسعاً. والحمدلله حمداً كثيراً مباركاً كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه على نعمة السعي والوصول والرفقة والصحة.




وصف جميل وصادق
شكرا علي مشاركتك وتفاصيلها اللي خلتني اشوف كل حاجه بعينك انتي واحسها بقلبك
انا جسمي كان بيقشعر 🤍🤍
This is sooooo impressive ❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️❤️